هل باتت تقاس القيمة الحقيقية للوقائع التاريخية البارزة بالمدة الزمنية الطويلة التي تحيطها، أم بقابليتها على الوجود والتواجد في هواجس اللحظة الراهنة واستحقاقات المرحلة المقبلة؟ اليوم، ليس مجرد حدث للاستذكار، بل يعد إحدى أهم الحقب التي بلورت أول محطة سياسية كوردية في سوريا، في إطار طالب فيه الكورد بحقوقهم السياسية والثقافية بطرق سلمية لتعزيز مشاركتهم في الحياة العامة ضمن الحيز الوطني السوري.
في الوقت الراهن وبعد عقود طويلة من التجارب السياسية الكوردية، وفي ظل سياق هائل من التحولات السياسية العميقة والمعقدة التي تشهدها سوريا خلال المرحلة الانتقالية، تحل ذكرى تأسيس أول حزب كوردي في سوريا التي لم تعد مجرد مناسبة للاحتفاء بها، بل لإعطاء هذا الإرث السياسي الكوردي قراءة ذات قيمة معمقة وبعد حقيقي حول المسار السياسي للحركة السياسية الكوردية في سوريا منذ عام 1957 وحتى اللحظة، حيث إعادة ترتيب البيت الداخلي للنضال السياسي الكوردي، ومآلات مشاركتها في المشهد السياسي السوري، وموقع العدالة السياسية كمعيار جوهري لتشكيل سوريا جديدة وفق عقد اجتماعي جديد يستند لأسس الشراكة الفعلية والاعتراف بالتعددية والمساواة القانونية بين المواطنين.
ولادة أول مشروع سياسي كوردي
في منتصف خمسينيات القرن المنصرم، كان للكورد في سوريا رأي تاريخي قلب موازين المشهد السياسي الكوردي، حيث باشرت الصفوة الكوردية بالعبور من الفعاليات والأنشطة الثقافية والمجتمعية إلى الممارسة السياسية المؤسسية قبيل الإعلان الرسمي عن إطلاق أول حزب كوردي في سوريا في 14 حزيران 1957. جاءت نقطة التحول هذه نتيجة التصعيد المستمر في سرديات وخطاب القومية العربية في سوريا، وتقهقر الضمانات السياسية للحريات، ما دفع بنخبة من الكورد إلى إنشاء تنظيم سياسي للمطالبة بالاعتراف بالحقوق الثقافية الكوردية وهوية الكورد القومية والتغيير نحو الإصلاح داخل الجغرافيا السورية.
شكّل الحزب الديمقراطي الكوردستاني في سوريا حينها قلب الحركة السياسية الكوردية التي انبثقت عنها عدة تنظيمات سياسية. ورغم ما تعرض له الحزب من إكراهات سياسية وأمنية جسيمة، إلا أنه امتد ليضم العشرات من الأحزاب السياسية بآلاف الأعضاء، وكانت تلك الولادة بمثابة الإعلان الرسمي عن قضايا العدالة السياسية في سوريا منذ ذلك الحين وإلى الآن. ما يقارب السبعين عاماً من هذه الانطلاقة، هل آن الأوان لترجمة العمل السياسية النضالي إلى عدالة سياسية في ملامح سوريا الجديدة؟.
بين الفرصة والتحدي
تمثل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا حالياً نقطة تحول مفصلية في التاريخ السياسي السوري، حيث إعادة هيكلة العلاقة بين الدولة السورية (قيد البناء) ومكوناتها وعلى رأسها الشعب الكوردي وفقاً لأسس المواطنة والشراكة والعدالة، كما أنها تشكل تحدياً حقيقيا أمام إمكانية الحركة السياسية الكوردية للدفع نحو التأُثير في رسم ملامح المستقبل السوري الجديد بدلاً من احتواء الإشكاليات وإدارتها.
ملفات عديدة تجسد هذا التحدي، كانت قد طرحت مسبقاً، إلا أنها الآن باتت جزءاً أساسياً من الحوار السياسي فيما يتعلق بتصور الدولة السورية القادمة، أبرزها توسيع الحضور بشكل قانوني ودستوري في مؤسسات الدولة السورية في خضم المرحلة الانتقالية، وصياغة دستور وطني جامع يعترف بالهوية الكوردية وحقوق الشعب الكوردي الثقافية واللغوية، وتأمين اللامركزية السياسية والإدارية لاسيما في المناطق الكوردية.
إلى جانب آخر، غياب التوافق بين التيارات السياسية الكوردية، والتغييب التام لشكل اللامركزية والدولة السورية القادمة، من أكثر التحديات بروزاً وتعيق مسار التسوية الذي بإمكانه تحقيق العدالة السياسية للجميع في سوريا بغض النظر عن انتماءاتهم وهوياتهم. ومن هنا نؤكد أن هذه المرحلة بمثابة لحظة مفصلية لإعادة بناء الثقة بين السلطة الانتقالية والشعب، وتعزيز مشهد الاستقرار انطلاقاً من الاعتراف والمشاركة الحقيقية.
ويظل السؤال العميق: هل ستشكل المرحلة الانتقالية في سوريا انطلاقة لمسار سياسي جديد قائم على الشراكة والحوار والعدالة السياسية وحل للقضية الكوردية، أم أنها ستعيد إنتاج فضاء الأزمات كما السابق؟.
العدالة السياسية
في خضم التطورات المتسارعة اللاحقة بالمرحلة الانتقالية في سوريا، لا يمكن حصر القضية الكوردية، لاسيما بعد مسارها النضالي المستمر على مدار السبعين عام تقريباً، في المطالب المعتاد عليها سابقاً من قبل الشعب الكوردي والتي كانت متمثلة بالحقوق الثقافية واللغوية فقط، بل تتعدى لتكون ركيزة أساسية في العدالة السياسية التي تعتبر أحد أهم ثوابت تأسيس سوريا الجديدة. فالعدالة السياسية تتمثل بالتوزيع العادل للسلطة والتمثيل، وعدم الإقصاء والاعتراف بالجميع وتغييب التهميش السياسي، وضمان حرية التعبير والمشاركة المتساوية في صناعة القرار، وتطبيق القانون بشكل عادل ومتساوٍ ضمن إطار الدولة الجامعة.
كان، ولايزال، الكورد في مهب سياسات الإقصاء والتهميش، ما عزز لديهم مطالبهم داخل أطر العدالة السياسية التي تُعتَبر المكون الأساسي لتشييد علاقة متوازنة بين السلطة والأطراف الأخرى. وتظهر اليوم الصورة بشكل جلي وأن هذه المرحلة الانتقالية هي حجر الأساس لإعادة ترسيم عقد سوري جامع جديد يضع الشراكة السياسية استقراراً للبلاد لا خطراً عليها.
في ذات السياق، التعاطي مع القضية الكوردية في ضوء العدالة السياسية يشكل تقييماً لأهلية السلطة الانتقالية في بناء سوريا جامعة دون إقصاء، مع إنشاء صيغة حكم سياسية على أسس اللامركزية الرشيدة والشراكة والمساواة في إطار وطن واحد.
بعد مسيرة النضال الطويل للحركة السياسية الكوردية في سوريا بات من المحوري التركيز على بناء سلام مستدام وعدالة شاملة ضمن إطار المشروع الوطني، والعمل على إنهاء الصراعات وتشييد دولة شراكة حقيقية مع الحفاظ على كافة الحقوق الكوردية ودسترتها واعتبارهم شريكاً حقيقياً.
في المحصلة، صارت الحركة السياسية الكوردية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتحولات التي تشهدها البلاد منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى اليوم مروراً بتعقيدات المرحلة الانتقالية الآنية، حيث القضية الكوردية لاتزال تدور في فلك كيفية العمل على بناء نظام سياسي عادل.
بين جوهر القضية الكوردية وذاكرة النضال واستحقاقات المرحلة الانتقالية، يبقى التساؤل التالي: هل ستبقى العدالة السياسية التزاماً قيد الانتظار يتجدد مع كل مرحلة زمنية، أم أن السلطة الانتقالية ستكون جريئة في طرح وتطبيق منظومة سياسية وعقد وطني جديد يسودها العدالة والمساواة والاعتراف؟ فالإجابة على هذا التساؤل ستحدد بالضرورة ملامح سوريا الجديدة التي يطمح إليها الجميع ولاسيما الكورد.
