في ظل الظروف والتحديات
والمتغيرات والتحولات المتسارعة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، والأسباب
والدوافع التي أدت إلى توقيع الاتفاق الاطاري بين أميركا وايران المتعلقة بوقف
الحرب بين الدولتين وبما فيها جبهة لبنان، وما تمر به العلاقة من مراحل الفتور
واتساع الفجوة بين إسرائيل ونائب ترمب جي ديفانس والخلاف بشأن تضارب أولويات
الأهداف والستراتيجيات الأميركية والاسرائيلية، وكشف بنود الاتفاق الاطاري الذي
ترى فيه إسرائيل تهديداً مباشراً على مصالحها القومية، تعود إلى الواجهة لغة
التهديد من قبل المسؤولين الإسرائيليين بشأن إمكانية اندلاع نزاع مستقبلي مع سوريا
لتتطور إلى مواجهة شاملة؛ ولاسيما تصريحات وزراء في حكومة إسرائيل منهم تصريحات
كاتس وزير الدفاع، وكذلك وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي لإذاعة 103 أف أم
التابعة لصحيفة معاريف العبرية، والتي وصفوا فيها الجبهة السورية بأنها أشد خطورة
من الجبهة الإيرانية، والتشكيك في تغير الخلفية الايديولوجية للرئيس السوري أحمد
الشرع، وحيث زعما من خلال تصريحاتهم؛ بأن سوريا وتركيا تشكلان جبهة مقلقة بكثير من
إيران.
أن القراءة الاستراتيجية لهذه
التصريحات الرسمية لوزراء حكومة إسرائيل تدل على ان إمكانية ومدى جدية هذه
التهديدات في تحقيقها من عدمها تتعلق بمسائل كثيرة ومنها؛ الجيوستراتجية بحيث يجب
النظر بعين الجدية بشأن اندلاع هذا النزاع وخطورته على سوريا من حيث قراءة الأحداث
والظروف التي أدت إلى تغيير النظام السوري، ودعم ومساعدة سلطة الشرع والحكم
الإنتقالية في دمشق، وكذلك الانفتاح الدولي الكبير والاحتضان العالمي لدمشق. الأمر
الذي كشف عنه كواليس تغيير النظام في سوريا من قبل ترمب، ودعم الشرع عبر توافق
دولي أميركي وتركيا عبر السماح له بحكم سوريا ورفع العقوبات بطلب من السعودية
وتركيا وقطر.
تكمن جدية هذه التهديدات من خلال
التعهدات التي التزمت بها تلك الدول أمام ترامب من أجل دفع الشرع إلى تنفيذها
مقابل دعم ترمب لحكم الشرع؛ تكمن هذه التعهدات في قتال حزب الله واذرع إيران في
المنطقة، وكذلك ضبط الفصائل المتشددة في سوريا، و تحقيق العدالة الإنتقالية،
وتشكيل حكومة تضم كل السوريين، والابتعاد عن الطائفية والمذهبية، ودعم الأقليات،
واشراك كافة المكونات في السلطة، الأمر الذي لم يتحقق بعد، وكذلك خطورة اصطفافات
سلطة دمشق مع التحالفات الإسلامية السعودية وتركيا وقطر وباكستان الأمر الذي ترى
فيه إسرائيل تهديد مستقبلي على أمنها القومي مما يستدعي الدخول في نزاع مستقبلي
لإنهاء هذا التهديد، ولاسيما في هذه الظروف التي تشهد توتر العلاقة بين إسرائيل
والادارة الأميركية الحالية والتي ترى فيها إسرائيل بعض أقطاب هذه الإدارة ولاسيما
جي ديفانس الذي يوثر على قرارات الرئيس مما يجعله يخضع للقبول بمزايا تتعلق بالنفط
والطاقة والاستثمار من قبل تركيا ودول المحور الإسلامي قطر والسعودية على حساب
العلاقات التاريخية الاستراتيجية مع إسرائيل، وبالتالي إمكانية الاستثمار
الإسرائيلي في هذه الفرصة للاستفراد بسوريا الحلقة الأضعف لتوجيه رسائل ردع لهذا
الحلف.
أن جدية هذه التهديدات وإمكانية
تحقيقها تكمن في المسائل الاستراتيجية الأمنية ومعادلات الردع في المنطقة، ولاسيما
التصاعد في القوة التركية التي ترى فيها إسرائيل بأنها باتت تشكل خطراً كبيراً على
الخطط والاستراتيجيات الإسرائيلية في المنطقة، ولتشكل العائق في مواجهة إسرائيل
واستمرار هيمنتها على المنطقة بعد إيران، الأمر الذي رصده المسؤولون الأتراك في
حتمية مواجهة مستقبلية مع إسرائيل.
أن هذا الأمر الذي دفع القيادة
التركية في الاستثمار الأمني في سوريا مستفيدة من الانفتاح والعلاقة الاستراتيجية
بين سلطة دمشق وتركيا، والتعاون الأمني الكبير عبر دعم تركيا اللامحدود للجيش
السوري المزمع تشكيله ومدى السيطرة التركية أدى إلى تشكل قناعة لدى صانع القرار
الاستراتيجي الإسرائيلي بأن السلطة في سوريا انتقلت من الهيمنة الإيرانية إلى
الهيمنة التركية، وأن إمكانية الصدام الإسرائيلي التركي على الأراضي السورية وحرب
الوكالة أمر لا مفر منه، وأن إمكانية وتوقيت اندلاعها تعتمد على تسارع الظروف
الأمنية والستراتيجية المتعلقة بسياسة الردع في المنطقة، لترى إسرائيل بأن سوريا
ستكون الخط الدفاعي الأول لتركيا في حال اندلاع الصراع.
ينبغي النظر إلى جدية التهديدات
الإسرائيلية، وإمكانية اندلاع المواجهة مع سوريا تتعلق بالأمور الداخلية
الإسرائيلية، ومستقبل التحالفات السياسية، وإمكانية إعادة فوز اليمين المتطرف،
ودخول الحسابات المعركة الانتخابية في إسرائيل في الشهور المقبلة، وسعي حكومة
نتنياهو إلى تحقيق نصر يقدمه للناخب الإسرائيلي، ولاسيما الإحباط الداخلي الكبير
ضد نتنياهو واتهامه بأنه لم يحقق أهداف الحرب مع إيران، وخضوعه إلى قرارات ترمب
ومسألة السيادة والقرار الاستراتيجي الإسرائيلي الغائب الخاضع لقرارات ترمب، وكذلك
ضغوط ترامب لتقيد عمل الجيش الإسرائيلي وعملياته في إيران ولبنان، وجدية ضغوطاته
لسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان وسوريا وغزة.
كلها أمور تربك الحسابات الداخلية
الانتخابية الإسرائيلي، وتدفع نتنياهو إلى البحث عن نصر حقيقي يقدمه إلى الناخب
الإسرائيلي؛ وبالتالي خوضه مغامرة في صراع مع سوريا (الحلقة الأضعف في المعادلة)
تؤدي إلى إعادة تغير حسابات نزاع في المنطقة، وصدام غير مباشر مع ترمب كون المسألة
السورية ليست بأهمية تحقيق اتفاق مع إيران. لذا مع ذكر كل المسائل المتعلقة بالتحديات
الجيوستراتجية والأمنية واستراتيجيات معادلات الردع في المنطقة، تستوجب أخذ
إمكانية جدية التهديدات الإسرائيلية في حدوث نزاع مستقبلي تقود إلى تصعيد شامل مع
سوريا امراً في غاية الأهمية.
