"الحانوكاه" كلمة عبرية تعني التدشين، أي بناء الهيكل اليهودي الثاني، الذي بناه (يهودا المكابي) سنة 160ق.م، وكان الهيكل الأول الذي بناه وفق معتقدهم نبي الله سليمان (عليه السلام) قد دمره الملك الكلداني البابلي (نبوخذ نصر) عام 586أو 587ق.م.
فهو عيد يهودي يستمر ثمانية أيام من الخامس والعشرين من "كسلو" الذي يقابل شهر كانون الأول/ ديسمبر، والعيد بحكم توقيته يمكن اليهود وبالذات الأطفال من الاحتفال بعيد يهودي في نفس الفترة التي يحتفل فيها المسيحيون بعيد الميلاد، والمناسبة التاريخية لهذا العيد هي دخول (يهودا المكابي167-160ق.م) بن ماتيوس الحشموني مدينة أورشليم وإعادته للشعائر اليهودية في الهيكل، ويقال إن يهودا المكابي حينما دخل الهيكل وجد أن الزيت الطاهر (أي الذي يحمل ختم كبير الكهنة) لا يكفي إلا ليوم واحد، وكان من الضروري أن تمر ثمانية أيام قبل إعداد زيت جديد كما ينص التوراة، فحدثت المعجزة واستمر الزيت في الاحتراق لمدة ثمانية أيام بدلاً من يوم واحد، ولذلك صمم لهذا اليوم شمعدان خاص من تسعة فروع، ولأن هذه المناسبة تؤكد انفصال اليهود ورفضهم للاندماج والتفاعل مع الحضارات الأخرى، فإننا نجد أن الصهيونية تبالغ في الاحتفال به.
ويحتفل بالعيد في إسرائيل على أنه عيد ديني، قومي(عيد الأنوار)، فتوقد الشموع في الميادين العامة وتنظم مواكب من حملة المشاعل، وأثناء الاحتفال يصعد آلاف الشبان إلى قلعة "ماساداه"، وهو مقطع صخري مرتفع يقع في صحراء القدس بالقرب من الشاطئ الغربي للبحر الميت، ويمثل هذا المقطع الصخري بقايا مدينة حصينة يهودية يعود تاريخها إلى الهيكل الثاني، وهو يعتبر رمزاً للصمود البطولي وحب الحرية لمحاربي يهودا، وتبلغ مساحة قمة الجبل التي توجد فيها القلعة حوالي 80 دونماً وطولها حوالي 600 متر وعرضها يتراوح بين 130/240م.
وترتفع عن سطح البحر 462 متراً، وتفصل بين هذه القمة ومجموعة الجبال المحيطة بها أودية عميقة، وكان يوناتان الحشموني قد بنى عليها حصناً عام 42 ق.م وزاد هيرورودوتس من تحصينها وأقام لنفسه هناك قصراً فاخراً، وقد تمركز في قلعة مسادة آخر المحاربين الذين ثاروا على الرومانيين، وقد حاصر الرومان القاعة مدة 3 سنوات، وعندما فقدوا الأمل انتحر المحاصرون وعددهم 960 شخصاً كان يقودهم (األيعيزر بن بائير) وذلك يوم 15 نيسان من عام73م، وقد قصت النسوة والأولاد الذين اختبأوا بقناة مياه ونجوا من الموت في عملية الانتحار الجريئة، وفي العهد الروماني البيزنطي(70-635م) سكن هذا الجبل رهبان، حيث أقاموا عليه كنيسة صغيرة.
في عام 1954م أقيم من جديد (طريق الأفعى) إلى الجبل، وفي عام 1955م قام سلاح الهندسة الإسرائيلي بإعادة ترميم القلعة، وجرت في المكان حفريات أثرية واسعة اكتشفت فيه خزانات مياه وأرزاق ومقر هيرودوتس وكُنَيس وقصاصات من كتاب التوراة وعملات وغير ذلك، وفي عام 1970م تم شق طريق إلى الموقع الأثري يبدأ من عراد وحتى الجانب الغربي من قمة الجبل، وفي عام 1970م تم تشغيل قطار هوائي من الجانب الشرقي للجبل.
لذلك من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه بعد يوم واحد فقط من توقيع الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) قرار الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية للدولة العبرية(إسرائيل)، وتحديداً في 7 ديسمبر/ كانون الأول 2017م، جرى في البيت الأبيض، وتحديداً في منزل صهر الرئيس الأمريكي ترامب اليهودي (جارود كوشنر)، جرى احتفال رسمي بالعيد اليهودي الحانوكاه (عيد الأنوار) بحضور أسرة الرئيس الامريكي وبعض الساسة الاميركيين ومن ضمنهم نائب الرئيس الأمريكي (مايك بنس) بالإضافة إلى الحاخام اليهودي الأمريكي (سولوفيتشك) القائد الروحي العاشر لليهود منذ الثورة الأمريكية، حيث القى الرئيس الأمريكي كلمة بهذه المناسبة استهلها بقوله: "أعلم يقيناً الكثير من الأشخاص السعداء في القاعة .. القدس.. شكراً لكم، وميلانيا (زوجة الرئيس) وأنا يسعدنا الترحيب بكم وبالكثير من أصدقائنا الرائعين في البيت الأبيض ونتمنى لكم حانوكاً سعيداً جداً".
وأعتقد أن هذه ستعتبر حانوكاه فريدة بشكل خاص، وأنا أيضاً سعيد بأحفادي الجميلة، (آرابيلا، وجوزيف، وثيوديور) الموجودون بيننا الليلة، بينما نحتفل معكم جميعاً بالتقاليد المقدسة والتي يحتفلون بها كل عام في بيتهم مع ( إيفانكا وجارود).
الليلة نحتفل بالقصة المذكورة ببيوت اليهود بأمريكا وحول العالم، قصة بدأت قبل أكثر من ألفي عام حيث قرر طاغية أن يعاقب احتفال اليهود بعيدهم بالموت، فدنس المعبد اليهودي بما في ذلك أقدس الأقداس، لكن عدداً من اليهود انتفضوا وهزموا جيشاً عظيماً وسريعاً استعادوا حريته، لكن معجزة المكابيين لم تنته، فأثناء إعداد المعبد وجدوا مقدار زيت يكفي إضاءة مصباح لليلة واحدة، لكنهم سرعان ما اندهشوا عندما وجدوا أن المصباح استمر في التوهج طوال ثمانية أيام، وهذه علامة على وجود الرب في منزله، وإشارة لإيمان ومرونة اليهود، لديكم إيمان ولديكم مرونة، معجزة الحانوكا هي معجزة إسرائيل أحفاد إبراهيم وإسحاق ويعقوب تحملوا اضطهاداً وظلماً لا يصدق، لكن لم تستطع قوة أبداً أن تسحق روحكم ولا استطاع شر أن يطفئ إيمانكم أبداً، ولهذا فإن الشعب اليهودي يشع كالضياء على كل الشعوب، والآن أفكر فيما يجري وفي الحب الذي يغمر إسرائيل وكله يتعلق بالقدس، شكراً لكم نيابة عن كل الأمريكيين، أود أن أعبر عن مدى امتناني لمحافل اليهود في بلادنا وأنتم ترعون عائلتكم وتقومون بدعم مجتمعاتكم وترفعون شأن بلدنا الحبيبة.
الحانوكا هو الوقت الذي تحتفل فيه العائلات اليهودية حول العالم بمعجزة الماضي ووعود المستقبل، نحن فخورون بالوقوف إلى جانب الشعب الإسرائيلي، ونجدد روابطنا الدائمة .
يشرفنا اليوم أن يتواجد معنا القائد الروحي العاشر لليهود منذ الثورة الأمريكية الحاخام سولوفيتشك، شكراً لك أيها الحاخام شكراً جزيلاً على وجودك معنا لكنه سعيد جداً منذ (إعلان القدس عاصمة لإسرائيل) أمس، ولا يهمه إن أخطأت نطق اسمه.
وقال الحاخام سولوفيتشك في معرض جوابه على كلمة الرئيس ترامب: "إذا ذهبت للقدس اليوم سترى أنه بخلاف معظم يهود العالم الذين يضيؤون الشموع داخل بيوتهم، فإنهم في القدس يضيؤون الشموع كما كان يحدث في الأصل بالخارج بجوار أبواب بيوتهم وما يمثله ذلك هو فكرة يهودية أمريكية أيضاً، وهو أنه عندما يغادر أهل الإيمان بيوتهم ويذهبون للميدان العام، فإنهم يأخذون معهم عقيدتهم وهويتهم الدينية ولا يتركونها عند الباب عندما يخرجون إلى العالم، وما يمثله هذا المساء هو أننا كأمريكيين يهود لا نأخذ فقط عقيدتنا معنا إلى المجتمع وإلى العالم، لكننا نخرج هباً (بصورة جماعية) أيضاً من بيوتنا لبيتك أنت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بيت الشعب الأمريكي، ولهذا نشكرك سيدي الرئيس وأنت أيتها السيدة (ميلانيا ترامب) على كل ما يمثله هذا المساء لنا جميعاً، ولأن الحانوكاه لم تبدأ بعد فإننا لا نستطيع أن نقرأ الآن تبريكات الحانوكاه على شمعدان الحانوكا بعد، لكن هناك تبريكتان نستطيع أن نقرأهما قبل أن يشعل أحفاد الرئيس هذا الشمعدان الجميل والذي يمثل الكثير من التاريخ اليهودي والتاريخ اليهودي الأمريكي، وأول تبريكة هي تبريكة تقرأ طبقاً للتعاليم اليهودية عندما نكون أمام حاكم الدولة، ويعلمنا الحاخامات أن نقرأ هذه التبريكة من أجل تذكيرنا بالرب الذي نستمد منه كل القوة والتميز تماماً كما جاهد الآباء المؤسسون ليذكرون بأن حقوقنا كأمريكيين تستمد منه، وليس من الدولة، ولهذا ففي حضرة الرئيس ترامب نقرأ الأولى بالإنكليزية ثم بالعبرية: "تبارك الرب إلهنا ملك الكون الذي أسبغ القوة والتميز على اللحم والدم (آمين).
التبريكة الثانية التي نقرأها هي التي تقال طبقاً للتعاليم اليهودية عندما نتلقى بشارات سعيدة ويقرأها كل اليهود في أول ليالي الحانوكاه ونستطيع تلاوتها الآن بسب البشارة السعيدة التي تلقيناها للتو (القدس تقع بالطبع في قلب وروح كل يهودي وفي قلب اليهودية نفسها ونحن نصلي ثلاث مرات يومياً لأجل إعادة بناء القدس)، وضوء الحانوكاه لا يمثل فقط ضوء اليهودية الخالد، وإنما ضوء القدس المشتعل في كل روح يهودية، وبما أننا قد تلقينا بشارة سعيدة جداً لأنه لأول مرة منذ تأسيس دولة إسرائيل أعلن رئيس أمريكي بشجاعة ما أعلناه دائماً، وهو أن القدس عاصمة إسرائيلية، وبالتالي نشكر الرب الذي أبقانا إلى أن رأينا هذا اليوم السعيد ونقول: طوبى لك يا ملك الكون الذي أحييتنا ورزقتنا ومكنتنا من أن نشهد هذه المناسبة، عندما أشعل الشمعدان، سأشعل الشمعة الأعلى، ثم يشعل أحفاد الرئيس (أولاد إيفانكا وجارود اليهودي) الشمعة الأولية إشارة ببدأ ليالي الحانوكاه، وبمجرد أن يشعل أحفاد الرئيس هذه الشمعة انضموا إلي في غناء أول مقطع من أحد أحب أغاني الحانوكاه وهي (مائوز تسور)، وأعني شاركوني الغناء لأننا لا نريد أن نعرض الرئيس والسيدة الأولى للاستماع إلى صوتي أنا، فكل من يستطيع الغناء رجاءً انضموا إلي، سأشعل الشمعة ثم خذوا الشمعة... يا ملاذي العظيم يا خلاصي إن الثناء عليك سعادة، أعد بناء بيت عبادتك وهناك سأقدم هدية الشكر، وعندما تكون قد أعددت الذبح للعدو المرتد ثم سأكمل غناء الترنيمة: تفاني المذبح ثم سأكمل غناء الترنيمة تفاني المذبح، حانوكاه سعيدة لكم.
كلمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لها عدة اعتبارات منها :
1- أنها جاءت بعد يوم واحد فقط من إعلانه القدس عاصمة أبدية وموحدة للكيان العبري.
2- أنه حاول اجتراح ما يسمى بالمعجزات! التي حدثت في التاريخ اليهودي (مسألة الزيت المقدس الذي كان يكفي لإضاءة المصباح ليوم واحد)، لكنهم سرعان ما اندهشوا عندما وجدوا أن المصباح استمر في التوهج طوال ثمانية أيام، وهذه علامة على وجود الرب في منزله.
3- أنه نسب إلى الطاغية ويقصد به الملك السلوقي اليوناني (انطيوخوس الرابع 174-165ق.م) معاقبة الشعب اليهودي عن طريق منعهم من إقامة شعائرهم الدينية، ومنعهم من الختان، ومن قراءة التوراة، ومن الحفاظ على قدسية يوم السبت، ومن إجبارهم على أكل لحم الخنزير، ومن إلغاء عبادة "يهوه" في الهيكل في أورشليم وعبادة الإله زيوس اليوناني، ونسى نفسه أنه طاغية متكبر لأنه يحارب عقيدة وفكر دين سماوي يربو عدد معتنقيه لأكثر من 1700 مليون من البشر، ويتهمهم بالإرهاب وغيرها من المصطلحات الجاهزة في مطابخ الساسة الغربيين، وأنه لا يحترم عقائدهم ويتنكر لكل القرارات والمواثيق الدولية قبل السماوية.
4- أنه يكيل مسألة ما يسمى بالفكر المستنير أو الليبرالي بمكيالين، فبينما يؤكد على تمسك اليهود بهويتهم وعقيدتهم الدينية المبنية على التوراة والتلمود من خلال محاربة اليهود المكابيين بقيادة (يهودا المكابي) لبني جنسهم وقتلهم لأنهم اغترفوا من الفكر اليوناني الهلليني ونبذوا عبادة إله اليهود (يهوه)، وساروا خلف الإله اليوناني (زيوس)، أي أخذوا بقيم الثقافة اليونانية – الهللينية، يحاول هو ودعاة الحداثة والتنوير ومن سار على منهجهم إبعاد المسلمين عن المصادر الرئيسية للإسلام المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية عن طريق المجيء بإسلام متنور ليبرالي على نهج الإدارات الأميركية بعد حادثة 11 سبتمبر/ أيلول 2001م.
5- يبدو أن الرئيس الأمريكي ترامب بحكم عقيدته البروتستانتية الإنجيلية مطلع عن كثب على عقيدة وتاريخ اليهود، حيث تطرق في كلمته إلى المعجزة التي حصلت لهؤلاء اليهود الذين اكتشفو أن الزيت الذي يضيء الشمعدان المقدس، لم يجدوا إلا جرة صغيرة كانت تكفيهم ليوم واحد، ولكن حصلت المعجزة عندما تبين أن الجرة كانت كافية لإضاءة القنديل لمدة ثمانية أيام، وعلى هذا يحتفل بعيد التدشين(الحانوكاه) منذ ذلك اليوم وحتى هذه الأيام لمدة ثمانية أيام.
6- أن الرئيس الأمريكي تكلم عن مرونة الشعب اليهودي، وأنه يشع ضياءً على العالم، وأن أعداء اليهود من اليونانيين دنسوا المعبد اليهودي، وينسى أو يتناسى أن اليهود ومستوطنيهم يدنسون كل اليوم الأماكن المقدسة الإسلامية بما فيها بيت المقدس، وأنهم يقتلون الفلسطينيين بدم بارد ويدمرون بيوتهم ويحرقون مزارعهم، دون خوف أو وجل، من دون استنكار المنظمات الدولية بل وحتى الشخصيات الدينية اليهودية التي تدعي قيم التسامح والعيش المشترك، ولو اطلع الباحثون والمراقبون على تعاليم الكتاب اليهودي (التلمود) لوجدوا فيه المئات بل الآلاف من كلمات القتل والذبح والإرهاب، ومن الألفاظ البذيئة والمشينة بحق المسيحيين قبل المسلمين التي يعجز القلم من تردادها، وبالذات تجاه السيد المسيح (عليه السلام) وأمه الصديقة البتول (مريم).
7- أن الحاخام الأمريكي اليهودي (سيلوفيتشك) يشير في الغناء اليهودي المنسوب للحانوكاه (مائوز تسور) إلى إعادة بناء بيت الرب، يقصد به تخريب المسجد الأقصى وبناء ما يسمى بـ(هيكل سليمان) على أنقاضه، ويبدو أن قرار الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل هو توطئة ومقدمة للحدث المنوه آنفاً.
8- أن الحاخام المذكور تطرق في نهاية أغنية الحانوكاه إلى القول: "وعندما تكون قد أعددت الذبح للعدو المرتد، ثم سأكمل غناء الترنيمة: تفاني المذبح، ثم سأكمل غناء الترنيمة تفاني المذبح...، لو أن أحداً من المسلمين ذكر هذا (الذبح للعدو المرتد) في كلمة أو خطبة له لأقاموا الدنيا عليه ولاتهموه بالإرهاب وعدم التسامح...؟.
مما تقدم يبدو أن قرار الرئيس الأمريكي المسيحي البروتستانتي (دونالد ترامب) في 6 كانون الأول/ نوفمبر2017م الاعتراف بالقدس عاصمة للدولة اليهودية، جاء بعد مائة عام تقريباً من القرار الصادر عن وزير الخارجية البريطاني المسيحي البروتستانتي (آرثر بلفور) في 2 تشرين الثاني/نوفمبر عام1917م، الخاص بمنح أرض فلسطين لليهود، وكانت إسرائيل قد احتلت المسجد الأقصى في 7 حزيران/ يونيو عام1967م.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.
