يبدو أن الكثير من القرّاء والمتعطشين للمعرفة في العالمين العربي والإسلامي، لا يدرون الحقيقة التاريخية للصفويين، وتأسيس دولتهم، والمذابح التي ألحقوها بالمسلمين من أهل السنة، وكيفية استيلائهم على الحكم في الهضبة الإيرانية وفرضهم التشيّع كمذهب رسمي لبلاد إيران، ابتداءً من مطلع القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي - ولحد الآن، رغم أن جلّ سكان إيران كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة، ما عدا سكان مدن قم وكاشان ونيسابور، وكيف أنهم احتلوا العراق، وتحديداً بغداد، مرتين، وفعلوا بسكانها من أهل السنة والجماعة من القتل والتنكيل ما تقشعر من هوله الولدان.
إن انتقال زعامة الصفويين إلى "السلطان إسماعيل" يعدّ من لدن المؤرخين نقطة تحول مهمة في الحركة الصفوية، وذلك لما أبداه السلطان من نشاط في توحيد دفة الحركة وقيادتها، وفي الوقت نفسه، فإن مقتل أجداده: جنيد، ثم حيدر، وإخوته: يارعلي، ثم إبراهيم، أصبح ملحمة أثارت حماس مريدي الطريقة الصفوية ودفعتهم إلى نصرة الحركة والانتقام من قتلتهم، حيث راجت إشاعات شيعية بين سكان منطقة كيلان "شرق إقليم أذربيجان" رواجاً عظيماً بأن دورهم قد حان لإدارة البلاد والانتقام من أعدائهم، وأخذت صوفية مدينة لاهيجان وأنصار الصفويين من القزلباشية يزدادون يوماً بعد يوم.
بدأ السلطان إسماعيل الصفوي (1494-1524م) نشاطه العسكري في الولايات الشمالية من دولة الآق قوينلو، وكان لديه أكثر من سبب يدفعه للبدء بهذه الجهات، فإن حكام هذه الولايات أصبحوا الآن بعيدين عن المراكز الرئيسية لقبيلة الآق قوينلو "الخروف الأبيض" في بغداد وديار بكر، كما أن استقلال حاكمها "ألوند ميرزا" بهذه الجهات من شأنه أن يطلق له العنان دون أن يواجه ضغطاً فعالاً من قبل الأمراء المنافسين الذين سيسرّهم التخلص من أحد منافسيهم.
استطاع "إسماعيل الصفوي" أن يغلب خصمه "فرخ يسار" قاتل أبيه في قرية كلشان في ولاية شماخي الواقعة في منطقة القوقاز ويقتله، وفي رواية أن يأسره، حيث وضعه في قدر كبير مملوء بالماء المغلي وأمر أتباعه بأكله، بعدها استولى على مدينة "باكو" عاصمة جمهورية أذربيجان حالياً، ولما سمع "ألوند ميرزا" بهذه الأخبار السيئة اتحد مع السلطان "مراد" على أمل القضاء على إسماعيل، لكن الأخير استطاع دحرهما في المعركة التي جرت بينهما في "شرور" قرب نخجوان "منطقة القوقاز" أوائل سنة 1501م وقتل نحو ثمانية آلاف من تركمان قبلية الآق قوينلو، ولاذ ألوند ميرزا بالفرار إلى ديار بكر، ومات فيها سنة 1504م، وبعدها دخل "إسماعيل الصفوي" مدينة تبريز مظفراً وأعلن نفسه شاهاً فيها عام 1501م، واتخذ من تبريز عاصمة له، وبعد دخوله تبريز أمر بأن تقرأ الخطبة باسم الأئمة الاثني عشر، وأن تسكّ على العملة عبارة "لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله"، ثم يتبع ذلك ذكر اسم السلطان، وأقرّ مذهب الشيعة مذهباً رسمياً لدولته، وارتدى علامة هذا الرسم تاجاً من السقرلاط الأحمر "الديباج الأحمر" بعد أن خلع الملابس الخاصة بالتصوف.
وفي سنة 1506م غادرت القوات الصفوية العاصمة تبريز واتجهت إلى إقليم كوردستان الذي يفصل الهضبة الإيرانية عن إقليم العراق العربي وعن الأناضول، لمحاولة الاستيلاء عليه، لكنها فشلت من النيل منه لوقوف الزعيم الكوردي "صارم بن سيف الدين المُكري" في وجهها، لكن ذلك لم يمنع من أن يخضع عدد من أمراء كوردستان طوعاً وكرهاً للنفوذ الصفوي.
وقد دشن العهد الصفوي "1502 – 1736م" بداية جديدة للتاريخ الكوردي في إيران تشغل الفواجع والأحداث الدموية معظم صفحاته، على حد تعبير المؤرخ "كمال مظهر"، فإن مؤسس الدولة الصفوية إسماعيل الصفوي "1487 – 1524م" كان يرفض كل ما هو كوردي، بسبب كونهم من أهل السنة والجماعة، بحيث إنه لم يتحمل حتى أولئك الأمراء من الكورد الذين أتوه إلى بلدة "خوي" لتقديم الولاء له، فأمر بإلقاء القبض عليهم جميعاً، وعيَّن مكانهم ولاة من أتباعه "القزلباش"، وفي تعليق له على تلك الحقبة يقول محمد أمين زكي ما نصه: "وكان عهد الشاه إسماعيل وسيره في الكورد مثل عهد تراكمة الآق قوينلية (التركمان الشيعة)، عهد ظلم وعدوان شديدين، لأن الكورد كانوا من أهل السنة فكان لا يأمن جانبهم ولا يثق بهم، بخلاف التركمان الذين كانوا من غلاة الشيعة، فلهذا لم يكن يدع فرصة تمر من غير أن ينتهزها ويلحق فيها بالكورد أذى كبيراً، فمن ذلك أنه قدم مرة إلى بلدة خوي فتقدم إليه أحد عشر أميراً من أمراء الكورد مقدمين له الطاعة والخضوع، فما كان منه إلا أن ألقى القبض عليهم جميعاً – على خلاف ما كانوا يأملون منه – وزجهم في السجن، وعيّن بدلهم ولاة القزلباشية في إماراتهم الموروثة، فكان من ضمن هؤلاء الأمراء المنكوبين (الملك خليل) حاكم (حصن كيف)، وزوج أخت الشاه إسماعيل نفسه، حيث لبث في سجن تبريز ثلاثة أعوام كاملة إلى أن نجا منه على أثر الخسارة الكبيرة للشاه (إسماعيل الصفوي) أمام السلطان العثماني (سليم الثاني – ياووز) في معركة جالديران الشهيرة في 23 آب 1514م".
ومن جانب آخر، فإن الدولة العثمانية استغلت الصراعات المذهبية التي جرت بين الأمراء الكورد والدولة الصفوية، حيث وقفت إلى جانب الكورد في صراعهم المصيري ضد الصفويين وتجاوزاتهم، لذلك سرعان ما ثارت كوردستان السنية ضد الحكم الصفوي الشيعي في كافة أنحاء كوردستان الشرقية والوسطى، حيث تمكن الثوار الكورد من طرد الحكام الصفويين الموالين للشاه إسماعيل، وعندما حاول الأخير استعادة ما فقده من نفوذ في المناطق الكوردية، جوبه بمقاومة شديدة أينما حل، ما كلف الكورد خسائر جسيمة، فإن حصار قوات الشاه إسماعيل لمدينة ديار بكر الذي دام أكثر من عام واحد، أودى بحياة 15 ألفاً من سكانها.
واستمرت هذه المجازر طيلة العهد الصفوي، فعندما زحف الشاه طهماسب (1524 – 1576م) سنة 1454م على كوردستان، فإنه (لم يترك في الطريق الذي سلكه عامراً إلا دمره)، وأعادت جيوشه الكرة مرة ثانية على كوردستان في سنة 1455م لتدمر من المدن الكوردية في كوردستان العثمانية: بدليس، أرجيش، موش، وأخلاط، وغيرها (تدميراً كاملاً، وتقتل من أهاليها مقتلة عظيمة)، ليكمل رئيس حرسه (أمير سلطان روملو)، أحد قادة القزلباش، من بعده عمله (كان أفظع وجهاً، وأشنع صورة)، فقد ارتكبت القوات الصفوية "من الأعمال الوحشية وضروب القسوة والفظاعة، ما أنسى الناس هول الأعمال البربرية التي اجترحها في هذه البلاد كل من هولاكو وتيمورلنك"، وفي يوم واحد قتل رجال الشاه طهماسب 400 من أبناء عشيرة دنبلي الكوردية، ونفذوا حكم الموت بكل دنبلي كان يعمل في بلاط الشاه، ما أجبر من تبقى على قيد الحياة من الكورد الدنبليين على اللجوء إلى داخل الأراضي العثمانية.
وعندما اجتاحت الاضطرابات الدولة الصفوية أيام حكم الشاه إسماعيل الثاني (1576 – 1577م) والسلطان محمد خدا بنده (1577– 1587م)، واستطاعت الدولة العثمانية السيطرة على أجزاء كبيرة من أذربيجان، أعلن الكورد تعاطفهم مع العثمانيين رفقاء المذهب السني، وعندما تولى الشاه عباس الكبير (1587 – 1629م) الحكم، استطاع طرد العثمانيين من أذربيجان، وصمم على الانتقام من هؤلاء الكورد السنيين وتشريدهم متى سنحت الفرصة لذلك، فقد توجه بنفسه على رأس جيش كبير إلى مدينة خوي (شمال كوردستان إيران)، ومن هناك زحف على منازل عشيرة محمودي الكوردية التي دافع رئيسها مصطفى بك عن قلعة ماكو وقاتل ببسالة، لكن الجيش الصفوي (عاث في تلك البلاد فساداً، وغالى في النهب والسلب والتدمير، وقتل من الأهالي مقتلة عظيمة)، نقل منهم بضعة آلاف من النساء والأطفال الذين عوملوا معاملة الأسرى إلى منطقة خراسان الشرقية، كما يقر مؤرخ الشاه عباس الشهير (إسكندر منشي).
وقد حاول الكورد من أبناء عشيرة مُكري الضاربة استعطاف الشاه عباس بعد أن أمّنهم على حياتهم، وتقدم زعيمهم (قباد خان) ومعه مائة وخمسون فارساً إلى الشاه عباس الموجود في مدينة مراغة في ذلك الوقت، لإظهار خضوعهم وتقديم فروض الطاعة للشاه، لكن ما إن وصلوا إلى بلاطه حتى فتك بهم جميعاً.
ولم يكتفِ الشاه عباس بالتنكيل بهم في ديارهم، وإنما أقدم على اتخاذ خطوة أشد وأقسى، وهي تهجير عدد كبير منهم إلى مناطق أخرى بعيدة عن ديارهم بآلاف الكيلومترات، ليفقدوا الحماس للأرض التي يعيشون عليها، فتخبو نار ثورتهم، وليعيشوا في ذل الغربة والاستكانة، فقد أمر بنقل خمسة عشر ألف أسرة كوردية، ومعهم كل أمتعتهم ووسائل معيشتهم وقطعان ماشيتهم، إلى شرق خراسان (شرق إيران، ليكونوا فاصلاً بشرياً بين الإيرانيين والأوزبك فيما وراء النهر، ولعله أراد بهذا الإجراء أن يجعل من هؤلاء الكورد السنيين أول من يتلقون ضربات الأوزبك السنيين، وبهذا يتخلص من كليهما معاً، ولم يكتف الشاه عباس الصفوي بما فعله معهم حتى الآن، بل فرض عليهم ضرائب باهظة، ووضعهم تحت رقابة صارمة وحكم حديدي، كي لا يتيح لهم أي فرصة للخروج عليه ومعاودة الثورة ضده بسبب قسوته وتعصبه الشديد ضد كل ما هو من أهل السنة والجماعة بشتى قومياتهم، فقد كانت قوات القزلباش الصفوية قد هاجمت سنة 1608م الكورد البرادوستيين "منطقة المثلث العراقي الإيراني التركي حالياً" مستهدفة قلعتهم الحصينة "قلعة دمدم" الواقعة جنوب مدينة أورمية، انطلاقاً من التعصب المذهبي المقيت على حد تعبير المؤرخ "حسن الجاف"، وقد تصدى الثوار الكورد للجيوش الصفوية، وجرت إثر ذلك معارك طاحنة دافع فيها الكورد عن ديارهم وقلاعهم دفاع الأبطال المستميتين، أصابوا خلالها الجيش الصفوي بخسائر باهظة، وكان لزعيمهم "أمير خان يكدست - صاحب اليد الواحدة" القدح المعلى في هذا المضمار، ولم يترك الكورد القلعة لهؤلاء الأعاجم الشيعة إلا بعد أن أبيدوا عن بكرة أبيهم إبادة تامة، لتتحول هذه المأساة إلى ملحمة بطولية أشاد بها المستشرقون وتغنى بها الأدباء والشعراء، وما زالت تسري في التراث والوجدان الكوردي سريان النار في الهشيم.
وبهذا يتبيّن لنا أن الكورد السنة قد تعرضوا لعمليات إبادة جماعية منظمة وتهجير قسري طيلة العصر الصفوي على يد معظم سلاطينهم، لا لسبب إلا للتعصب الطائفي البغيض على حد تعبير المؤرخين الكورد الرواد، من أمثال: البدليسي، ومحمد أمين زكي، ومن المعاصرين: كمال مظهر، وشكور مصطفى، ونوشيروان مصطفى وحسن الجاف وغيرهم.
واستمرت الأمور تسير بهذه الوتيرة في العهد القاجاري "1796-1925م" باغتيال جوهر شكاك مع مرافقيه عام 1908م في مدينة تبريز، رغم منحهم الأمان، وفي العهد البهلوي (1925-1979م) تم اغتيال زعيم الكورد الإيرانيين "سمكو شكاك" في مدينة شنو "أشنوية" عام 1930م على يد الشاه "رضا بهلوي"، وما القضاء على جمهورية كوردستان عام 1946م على يد الشاه "محمد رضا بهلوي" واغتيال قادتها وعلى رأسهم الشهيد "قاضي محمد" في شهر آذار عام1947م بخافية على القراء.
لذلك فإن تقديم بحوث ودراسات عن شرق كوردستان من شأنه أن يكشف النقاب ويميط اللثام عن المعاناة اليومية والعذابات المجحفة بحق الكورد البائسين الذين لا يزالون يتعرضون لاضطهاد عرقي وتعصب طائفي مقيت على يد السلطات الإيرانية بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979م على يد "آية الله الخميني" إلى وقت كتابة هذه الأسطر، رغم تبجح بعض الزعامات السياسية والفكرية الكوردية اليسارية خارج إيران بأن الكورد في إيران يعيشون في وضع جيد، وهذا ربما يعود إلى علاقاتهم الخاصة، لأنها آوتهم ودعمتهم أيام الحرب مع العراق، أو تعاطفهم الأيديولوجي مع قادة إيران بسبب محاربتهم المسلمين السنة، متناسين في الوقت نفسه حملات الإعدام بحق العلماء والقادة والمثقفين، وتعليقهم على أعمدة الكهرباء على مرأى من وسائل الإعلام المختلفة، إضافة إلى اعتقال المئات ونفيهم بحجة محاربة دولة الولي الفقيه، وقصف أراضي كوردستان العراق على مدار السنة بحجة محاربة المعارضة الكوردية المسلحة، ومحاولة إدخال المخدرات والأدوية والأطعمة الفاسدة إلى كوردستان العراق، فضلاً عن اغتيال الدكتور "عبد الرحمن قاسملو" رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني في 1989م، وإعدام المفكر الكوردي "ناصر سبحاني" في سنة 1990م الموافق لعيد الأضحى عام 1410هـ، واغتيال "شرف كندي" خليفة قاسملو عام 1992م، والموت البطيء لرئيس علماء كوردستان الإيرانية "أحمد مفتي زاده" عام 1993م، والداعية "فرسد فروغ" وغيرهم.
